×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
مهد الذهب

الحكمة والسبب في ما يجري لأهل حلب

بادئ القول : ما يحصل لأي مسلم في أي بلد من أذى يؤلم إخوانه ؛ وإن كانوا في أبعد الأقطار . ذلك أن التألم له من مقتضى الأخوة ، ودليل الإيمان ، وعلامة على الرحمة التي هي من آثار الإسلام العظيم . ونحن إذ نتألم لحدوث مثل ذلك على المسلمين ؛ ينبغي أن نظن أن في ذلك خير . قد يذهب الحزن على رجل يموت أو يصاب في ذات الله ومن أجل الله ولكونه مسلمًا .. لأنه قادم على رب رحيم ونعيم مقيم.. وهذه الدنيا زائلة . ما أصاب الأمة في حلب ينبغي ألا يدفع بأحد إلى اليأس والقنوط أو سوء الظن بالله ، إذ ذاك مخالف لمقتضى أسماء الله وصفاته ، وقادح في الإيمان به ﷻ ، فالله حكيم ولا يقدر شيئاً إلا لحكمة . فهذه المصائب والألام مقدرة لحكمٍ تدل على بعضها جملة من النصوص الشرعية ، وطائفة من شواهد التاريخ والواقع .. ولعلنا ننقل كلاما لابن القيم رحمه الله وهو يتحدث عن شيءٍ من حكم الله وأسراره ؛ إذ يقول رحمه الله : ( فالآلام والمشاق إما إحسان ورحمة وإما عدل وحكمة وإما إصلاح وتهيئة لخير يحصل بعدها وإما لدفع ألم هو أصعب منها وإما لتولدها عن لذات ونعم يولدها عنها أمر لازم لتلك اللذات وإما أن يكون من لوازم العدل أو لوازم الفضل والإحسان فيكون من لوازم الخير التي إن عطلت ملزوماتها فات بنعطيلها خير أعظم من مفسدة تلك الآلام. والشرع والقدر أعدلا شاهد بذلك فكم في طلوع الشمس من ألم لمسافر وحاضر وكم في نزول الغيث والثلوج من أذى كما سماه الله بقوله { وإن كان بكم أذى من مطر } وكم في هذا الحر والبرد والرياح من أذى موجب لأنواع من الآلام لصنوف من الحيوانات . وأعظم لذات الدنيا لذة الأكل والشرب والنكاح واللباس والرياسة ، ومعظم آلآم أهل الأرض أو كلها ناشئة عنها ومتولدة منها ، بل الكمالات الإنسانية لا تنال إلا بالآلام والمشاق كالعلم والشجاعة والزهد والعفة والحلم والمروءة والصبر والإحسان كما قال : لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال ... وإذا كانت الآلام أسبابا للذات أعظم منها وأدوم منها كان العقل يقضي باحتمالها .. ) إلى آخر كلامه رحمه الله فالله أعلم وأحكم ؛ وهو بلا شك أرحم من خلقه بخلقه .
بواسطة : مهد الذهب
 0  0  372